ابن الجوزي

85

صفة الصفوة

وعن يونس بن أبي شبيب قال : شهدت عمر بن عبد العزيز وهو يطوف بالبيت وإن حجزة إزاره لغائبة في عكنه « 1 » . ثم رأيته بعد ما استخلف ولو شئت أن أعدّ أضلاعه من غير أن أمّسها لفعلت . وعن مسلمة بن عبد الملك قال : دخلت على عمر بن عبد العزيز أعوده في مرضه فإذا عليه قميص وسخ فقلت لفاطمة بنت عبد الملك : يا فاطمة اغسلي قميص أمير المؤمنين قالت : نفعل إن شاء اللّه ثم عدت فإذا القميص على حاله فقلت : يا فاطمة ألم آمركم أن تغسلوا قميص أمير المؤمنين فإن الناس يعودونه ؟ قالت : واللّه ما له قميص غيره . وعن الفهري عن أبيه قال : كان عمر بن عبد العزيز يقسم تفاح الفيء فتناول ابن له صغير تفاحة فانتزعها من فيه فأوجعه فسعى إلى أمه مستعبرا فأرسلت إلى السوق فاشترت له تفاحا فلما رجع عمر وجد ريح التفاح فقال : يا فاطمة هل أتيت شيئا من هذا الفيء ؟ قالت لا . وقصّت عليه القصة فقال : واللّه لقد انتزعتها من ابني لكأنما نزعتها من قلبي ولكن كرهت أن أضيع نصيبي من اللّه عزّ وجل بتفاحة من فيء المسلمين . وعن شيخ من أهل الشام قال : لما مات عمر بن عبد العزيز كان استودع مولى له سفطا يكون عنده فجاءوه فقالوا : السفط الذي كان استودعك عمر ؟ قال : ما لكم فيه خير فأبوا حتى رفعوا ذلك إلى يزيد بن عبد الملك فدعا بالسفط ودعا بني أمية وقال : خيركم هذا فقد وجدنا له سفطا وديعة قد استودعها : ففتحوه فإذا فيه مقطّعات من مسوح كان يلبسها بالليل . وعن عبد السلام مولى مسلمة بن عبد الملك قال : بكى عمر بن عبد العزيز فبكت فاطمة ، فبكى أهل الدار لا يدري هؤلاء ما أبكى هؤلاء فلما تجلّت عنهم العبرة قالت له فاطمة : بأبي أنت يا أمير المؤمنين ممّ بكيت ؟ قال ذكرت منصرف القوم من بين يدي اللّه عزّ وجل ، فريق في الجنة وفريق في السعير ثم صرخ وغشي عليه .

--> ( 1 ) العكنة : الطي الذي في البض من السمن والجمع عكن وأعكان .